ابن أبي الحديد

51

شرح نهج البلاغة

الاسلام ، وقصدا لايقاع الشبهة في قلوبهم ، ولم يكن في الصحابة ( 1 ) مثل هؤلاء ، ولكن قد كان فيهم منافقون وزنادقة ، ولم يهتدوا إلى هذه الفتنة ، ولا خطر لهم مثل هذه المكيدة . ومما ينقدح لي من الفرق بين هؤلاء القوم وبين العرب الذين عاصروا رسول الله صلى الله عليه وآله ، أن هؤلاء من العراق وساكني الكوفة ، وطينة العراق ما زالت تنبت أرباب الأهواء وأصحاب النحل العجيبة والمذاهب البديعة ، وأهل هذا الإقليم أهل بصر وتدقيق ونظر ، وبحث عن الآراء والعقائد ، وشبه معترضة في المذاهب ، وقد كان منهم في أيام الأكاسرة مثل ماني وديصان ومزدك وغيرهم ، وليست طينة الحجاز هذه الطينة ، ولا أذهان أهل الحجاز هذه الأذهان ، والغالب على أهل الحجاز الجفاء والعجرفية وخشونة الطبع ، ومن سكن المدن منهم كأهل مكة والمدينة والطائف فطباعهم قريبة من طباع أهل البادية بالمجاورة ، ولم يكن فيهم من قبل حكيم ولا فيلسوف ولا صاحب نظر وجدل ، ولا موقع شبهة ، ولا مبتدع نحلة ، ولهذا نجد مقالة الغلاة طارئة وناشئة من حيث سكن علي عليه السلام بالعراق والكوفة ، لا في أيام مقامة بالمدينة ، وهي أكثر عمره . فهذا ما لاح لي من الفرق بين الرجلين في المعنى المقدم ذكره . * * * فإن قلت : لماذا قال عن فئة تهدى مائة ؟ وما فائدة التقييد بهذا العدد ؟ قلت : لان ما دون المائة حقير تافه لا يعتد به ليذكر ويخبر عنه ، فكأنه قال : مائة فصاعدا . قوله عليه السلام : " كرائه الأمور " : جمع كريهة وهي الشدة في الحرب . وحوازب الخطوب : جمع حازب ، وحزبه الامر ، أي دهمه .

--> ( 1 ) كذا في ا ، ب ، ج ، وفى د " أصحابه " .